الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
216
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وفي تفسير علي بن إبراهيم ورد أيضا : " ثم دنا - يعني رسول الله - من ربه عز وجل " ( 1 ) وقد ورد هذا المعنى في روايات متعددة ولا يمكن عدم الاكتراث بهذا المعنى . كما ورد هذا المعنى في روايات أهل السنة ، إذ نقل صاحب " الدر المنثور " ذلك عن ابن عباس من طريقين ( 2 ) . فمجموع هذه القرائن يدعونا إلى اختيار التفسير الثاني القائل بأن المراد من " شديد القوى " هو الله ، وأن النبي كان قد اقترب من الله تعالى أيضا . ويبدو أن ما دعا أغلب المفسرين إلى الإعراض عن هذا التفسير ( الثاني ) وأن يتجهوا إلى التفسير ( الأول ) هو أن هذا التفسير فيه رائحة التجسم ، ووجود مكان لله ، مع أنه من المقطوع به أنه لامكان له ولا جسم : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، ( 3 ) أينما تولوا فثم وجه الله ، ( 4 ) وهو معكم أينما كنتم . ( 5 ) ولعل مجموع هذه المسائل أيضا جعل بعض المفسرين يظهر عجزه عن تفسير هذه الآيات ويقول : هي من أسرار الغيب الخفية علينا . قيل أنهم سألوا بعض المفسرين عن تفسير هذه الآيات فقال : إذا كان جبرئيل غير قادر على بلوغ ذلك المكان فمن أنا حتى أدرك معناه ( 6 ) ؟ ! ولكن بملاحظة أن القرآن كتاب هداية وهو نازل ليتدبر الناس ويتفكروا في آياته فقبول هذا المعنى مشكل أيضا . إلا أننا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المراد من هذه الآيات هو نوع من الرؤية
--> 1 - المصدر ذاته ، ص 148 . 2 - الدر المنثور ، ج 6 ، ص 123 . 3 - سورة الأنعام ، الآية 103 . 4 - سورة البقرة ، الآية 115 . 5 - سورة الحديد ، الآية 4 . 6 - روح المعاني ، ج 9 ، ص 219 .